جمال الدين بن نباتة المصري
79
سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون
فلم يعرف له أثر ولا خبر ، وأرسل جذيمة إلى أخته يقول : خبّرينى رقاش لا تكذبينى * أبحرّ زنيت أم بهجين ! أم بعبد فأنت أهل لعبد * أم بدون فأنت أهل لدون ! قالت : بل أنت زوجتني امرأ غريبا « 1 » ؛ ولم تشاورنى في نفسي ؛ فكفّ عنها ، وإلى ألّا ينادم إلّا الفرقدين ، وحملت رقاش ، فولدت غلاما وسمّته عمرا ، فلمّا ترعرع ألبسته وعطّرته ودخلت به على خاله « 2 » ، فلمّا راه أحبّه وجعله مع ولده . وخرج جذيمة متبديا بأهله في سنة خصبة ، فأقام في روضة ذات زهر ونهر ، فخرج ولده ؛ وعمرو معهم يجتنون الكمأة ، فكانوا إذا أصابوا كمأة جيّدة أكلوها ، وإذا أصابها عمرو خبأها ، وانصرفوا إلى جذيمة يتعادون وعمرو يقول : هذا جناي وخياره فيه * وكلّ جان يده إلى فيه فضمّه جذيمة إلى صدره ، وسرّ بقوله ، وحلاه بطوق من ذهب ، فكان أوّل عربىّ لبس الطّوق . ثم إنّ الجنّ استطارته ، فطلبه جذيمة في الآفاق زمانا فلم يقدر عليه ، ثمّ أقبل رجلان من قضاعة ؛ يقال لهما : مالك وعقيل ابنا فارج ، من الشام ، يريدان جذيمة ، وأهديا له طرفا ؛ فبينما هما يأكلان إذ أقبل فتى عريان قد تلبّد شعره ، فسألاه عن نسبه فعرّفهما نفسه ، فنهضا وغسلا رأسه ، وأصلحا أمره ،
--> ( 1 ) الأغانى وابن الأثير : « بل زوجتني امرأ عربيا » ، وفي المسعودي : فأجابته رقاش تقول : أنت زوّجتنى وما كنت أدرى * وأتاني النّساء للتّزيين ذاك من شربك المدامة صرفا * وتماديك في الصّبا والمجون ( 2 ) ابن الأثير : « أزادته خالته » .